شهدت مدينة النجف الأشرف في شهر صفر من عام 1977 واحدة من أبرز الانتفاضات الشعبية ذات الطابع الديني في تاريخ العراق المعاصر، حيث واجهت السلطات البعثية حشودًا جماهيرية ضخمة خرجت لإحياء الشعائر الحسينية، مستخدمةً القوة المفرطة لقمعها. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه الانتفاضة من حيث السياقات السياسية والدينية والاجتماعية التي أدت إليها، وبيان أسبابها المباشرة وغير المباشرة، وتفسير موقف النظام منها، وتحديد مواقف المرجعية الدينية، لا سيما خطاب السيد محمد باقر الصدر )قدس سره(، كما تتناول أبعادها الاستراتيجية ونتائجها على المدى البعيد، وتأثيرها في الانتفاضات اللاحقة، مع بيان أثرها في تشكيل الوعي الجمعي لمفهوم “الثورة الثقافية الإسلامية” في مواجهة التسلط. كما تسلط الضوء على رمزية “زيارة الأربعين” في تلك السنة، وكيف تحوّلت إلى ساحة مواجهة رمزية وثقافية، مستعرضةً نتائجها على الوعي الجماعي ومستقبل الحراك السياسي الشيعي في العراق. إنّ أهمية هذه الدراسة تنبع من محاولة فهم طبيعة المقاومة الثقافية التي مارستها الجماهير المنتفضة آنذاك، وتحليل الأبعاد الرمزية والشعائرية التي وظّفتها في مواجهة سياسات الطمس والإنكار التي اتبعها النظام وقد تم اتباع المنهج الوصفي التحليلي في تحليل الأحداث وربطها بالسياق العام، كما تم الاعتماد على مصادر تاريخية ووثائق معاصرة وخطب دينية وبيانات صادرة من أطراف الصراع. توصل البحث إلى أن الانتفاضة لم تكن مجرد احتجاج شعبي عابر، بل شكلت نقطة تحول في العلاقة بين السلطة والمجتمع الشيعي، وأسست لمرحلة جديدة من الوعي السياسي والديني المقاوم.